في إحدى الليالي، وبعد أن غادرت السفينة جزيرة الرويبضة، واصلت رحلتها وسط البحر حتى لاح أمامها أفقٌ جديد. لم يكن جزيرةً واحدة... بل مجموعة من الجزر الصغيرة، ترتبط جميعها بجسرٍ واحد يحمل اسم sakaker.co.
اقترب أبوالقمر زمرد من أول جزيرة، فوجدها مليئة بالفيديوهات، وفي الجزيرة التالية وجد القصص، ثم الحكمة، ثم الألعاب، ثم المعرفة، وكان يدرك أن كل جزيرة ليست سوى فرعٍ من فكرةٍ بدأت صغيرة ثم كبرت مع الأيام.
وقف يتأمل ذلك المشهد وقال: "ما زال الطريق طويلًا... فهناك فروعٌ لم تولد بعد، وفرصٌ تنتظر من يكتشفها."
بدأ يرسم على الرمال أسماء الفروع القادمة: الموسيقى، السفر، التاريخ، التقنية، الذكاء الاصطناعي، ومكتبةٌ ضخمة تجمع خلاصة سنواتٍ من التجارب والمعرفة.
كان يؤمن أن الموقع لا يُبنى في يوم، بل ينمو كما تنمو الشجرة... كل غصنٍ جديد يمنحها حياةً أكثر، وكل فكرةٍ جديدة تجعلها أكثر فائدةً لكل من يزورها.
وقبل أن تغادر السفينة، نظر أبوالقمر زمرد إلى الأفق وقال مبتسمًا: "هذه ليست النهاية... بل مجرد بداية، فكل فرعٍ جديد هو مغامرة جديدة، وكل مغامرةٍ تبدأ بخطوة."
في إحدى الليالي، وبينما كانت السفينة تشق طريقها وسط بحرٍ هادئ، وصلت إلى جزيرةٍ لم تظهر على أي خريطة. لم يكن في الجزيرة قصرٌ ولا مكتبة، بل ساحةٌ كبيرة تجمع الناس حول رجلٍ يرفع صوته بثقةٍ عجيبة.
كان يتحدث في الطب، والسياسة، والتاريخ، والاقتصاد، ويفتي في أمور الدين، ويحكم على الأمم والحضارات، وكأنه أحاط بكل علمٍ من أطرافه. والأغرب من ذلك... أن الجميع كانوا يصفقون له، رغم أنه لم يقرأ كتابًا، ولم يعرف عنه علمٌ ولا تجربة.
اقترب أحد البحارة من شيخٍ عجوز كان يراقب المشهد بصمت، وسأله: "من هذا الرجل؟"
ابتسم الشيخ بحزن وقال: "لقد أخبر النبي ﷺ عن مثل هذا الزمان، وسمّى هذا الرجل الرويبضة... وهو الرجل التافه الذي يتكلم في أمر العامة، فيصدقه الناس، ويقدمونه على أهل العلم والخبرة."
ساد الصمت للحظات، ثم نظر البحارة حولهم، فوجدوا أن الحكيم يجلس في زاويةٍ لا يلتفت إليه أحد، بينما يقف صاحب الصوت الأعلى فوق المنصة، تحيط به الأضواء والتصفيق.
عندها أدرك قائد السفينة أن المشكلة ليست في كثرة الكلام، بل فيمن نعطيه آذاننا. فليس كل مشهورٍ عالمًا، وليس كل متحدثٍ صادقًا، وليس كل من يملك منصةً يملك الحكمة.
وقبل أن تبحر السفينة من جديد، كتب قائدها على لوحٍ خشبي وعلقه عند مقدمتها:
"إذا تكلم الحكيم أنار العقول... وإذا نطق الرويبضة، كثرت الضوضاء وغابت الحقيقة."
📚 معلومة ثقافية:
ورد لفظ الرويبضة في الحديث النبوي، وفسره النبي ﷺ بأنه:
"الرجل التافه يتكلم في أمر العامة".
وتُستعمل الكلمة اليوم للدلالة على من يتصدر للحديث في القضايا الكبرى دون علم أو أهلية.
دَعِ الأَيّامَ تَفعَلُ ما تَشاءُ ** وَطِب نَفسًا إِذا حَكَمَ القَضاءُ
وَلا تَجزَع لِحادِثَةِ اللَيالي ** فَما لِحَوادِثِ الدُنيا بَقاءُ
وَكُن رَجُلًا عَلى الأَهوالِ جَلدًا ** وَشيمَتُكَ السَماحَةُ وَالوَفاءُ
وَإِن كَثُرَت عُيوبُكَ في البَرايا ** وَسَرَّكَ أَن يَكونَ لَها غِطاءُ
تَسَتَّر بِالسَخاءِ فَكُلُّ عَيبٍ ** يُغَطّيهِ كَما قيلَ السَخاءُ
في مساءٍ هادئ، جلس أبو القمر زمرد يتناول سندويشة شاورما، وبينما كان يستعد لأخذ أول لقمة، وصل إشعار من هاتفه:
📢 يتوفر الآن تحديث للشاورما... الإصدار 18.5
نظر إلى السندويشة باستغراب وقال:
"حتى أنتِ صار لك تحديث؟!"
فجأة اهتزت الشاورما وقالت بصوتٍ آلي:
يرجى عدم الأكل أثناء تثبيت التحديث... الوقت المتبقي: 3 دقائق.
تنهد أبو القمر وقال:
"يا ساتر... حتى الجوع صار ينتظر التحديثات!"
وفي صباح اليوم التالي، ذهب ليقلي بيضة، لكنها رفضت أن تُكسر وقالت:
هذا الإصدار لا يدعم المقالي القديمة... يرجى شراء مقلاة Pro Max.
ضحك أبو القمر وقال:
"حتى البيض صار يبيع إكسسوارات!"
ثم فتح الثلاجة، فظهرت رسالة على الحليب:
انتهت النسخة المجانية... للاستخدام غير المحدود اشترك في حليب Premium.
أما الخبز فقد أصبح يطلب كلمة مرور قبل أن يسمح لأحد بأكله:
أدخل رمز الرغيف المكون من 6 أرقام.
وحين جاع أكثر، ذهب إلى المطعم، فقال له النادل بكل هدوء:
طلبك جاهز... لكن يوجد تحديث إجباري للبطاطس، انتظر 47 دقيقة.
وفي تلك اللحظة ظهر التنين الفضي وهو يضحك حتى كاد يسقط من السماء، ثم قال:
يا أبا القمر... احمد الله أن الطعام لا يحتاج شاحنًا ولا شبكة إنترنت!
ابتسم أبو القمر زمرد، وأخذ رغيفًا عاديًا، وأكله في ثوانٍ دون تحديثات، ولا اشتراكات، ولا كلمة مرور، ثم قال:
الحمد لله... بعض الأشياء الجميلة ما زالت تعمل بالإصدار الأول منذ خلقها الله. 😂🍞
في مطلع السنة الجديدة 2026، وحين كانت الليالي لا تزال تحتفظ ببرودة البدايات، وقف أبو القمر زمرد عند مفترقٍ لم يكن عاديًا، حيث التقى بالتنين الفضي، كأن اللقاء لم يكن صدفة، بل وعدًا قديمًا تأخر موعده.
لم يكن التنين حديث أسطورة، ولا ظلّ خيالٍ عابر، بل رمزًا للقوة الحكيمة، التي لا تظهر إلا لمن أثبت صبره، وأخلص لطريقه، وسار دون أن يلتفت للخلف.
تبادل الاثنان نظرةً طويلة، وفي تلك اللحظة، أدرك أبو القمر زمرد أن الطريق لم ينتهِ، بل بدأ يتّضح أكثر. فشكر اللقاء في صمته، ومضى دون ضجيج.
عاد أبو القمر زمرد إلى واقعه، فوجده مشغولًا بما بناه بيديه، في موقعه التجاري الذي أنشأه قبل ستةٍ وعشرين عامًا، موقع لم يكن مجرد صفحات، بل عمرًا من التجربة، وأثرًا من الصبر، وشاهدًا على أنه لم يضع وقته سدى.
كان يعمل هناك بهدوء، كمن يعرف أن لكل شيء وقته، وأن الأحلام لا تُطارد، بل تُستقبل حين تنضج.
وحين أنهى يومه، ترك خلفه الشاشات والضوء، وسار إلى حيث يلتقي بآماله، لا متعجلًا، ولا مترددًا، بل ثابت الخطى، كما يفعل من تعلّم أن الأمل لا يُولد فجأة، بل يُربّى مع السنين.
لم يكن أبو القمر زمرد يومًا من الذين يرفعون راية الاستسلام، ولا من الذين يتركون الريح تدفعهم حيث تشاء. كان يرى الحياة بخطوطها الحادة وظلالها الثقيلة، ويعرف أن كل ضربةٍ هي درس، وكل سقوطٍ هو بداية صعود جديد.
وحين حاولت الدنيا أن تكسِر صلابته، وقف مبتسمًا، وقال لنفسه قبل الناس: "أنا لم أُخلق لأُهزم، بل لأتعلّم وأبقى."
كان يؤمن أن العمر ليس رقمًا يُقصِر الطريق، ولا جدارًا يمنع الحلم… بل هو تجربةٌ تجعل القلب أنقى والعقل أعمق. ولذلك قالها بثبات لا يشبه أحدًا:
"حتى بعد الثمانين… سأمشي، سأحلم، وسأبقى."
كان يعلم أن هناك حياة أبدية، عالمًا آخر ينتظر كل روحٍ صادقة، لكنّه أيضًا كان يعرف أن الله وضعه في الدنيا ليؤدي دوره، ويترك أثرًا لا ينطفئ. فلذلك كان يعيشها كأنها هدية، ويحمي قلبه كأنه كنز، ويمضي فيها بثبات القمر وسط السماء.
أبو القمر زمرد، الرجل الذي لم يَغلبه الزمن، ولم تُنهِ عزيمته الأيام… بل كلما تقدم عمره، ازدادت روحه قوة، وكأنه خُلق ليبقى طويلًا… ويعلّم الآخرين كيف يكون البقاء شرفًا.
في زمنٍ تتصارع فيه المواقف قبل الأشخاص، وتختلط فيه الأقنعة بالوجوه، وجد أبو القمر زمرد نفسه يسير وسط مجتمعٍ متناقض؛ مجتمع يجمع المتضادّات كما تجمع الصحراء بين سكون الليل وحرارة الظهيرة.
رأى بعينيه الخير والشر يمشيان جنبًا إلى جنب؛ رجل يعطي بلا حساب، وآخر يمنع حتى كلمة طيبة. ورأى الكرم والبخل في وجوه لا يفرّق بينها إلا موقف واحد يظهر أصل صاحبها.
وفي الطرقات لمح الذكاء والغباء: ذكاءٌ يرفع صاحبه ولو كان ضعيفًا، وغباءٌ يُسقط من ظن نفسه فوق الجميع. ورأى أيضًا القوة والضعف، لكنّه أدرك أن أقواهم هو من يحفظ قلبه نقيًا رغم كل شيء.
أما أبو القمر زمرد، فقد ظلّ يمشي بينهم لا يتغيّر مهما تغيّروا، يعطي من قلبه، ويحفظ سرّه، ويعرف أن البشر مثل الرمال… منها ما يدفنك، ومنها ما يبني طريقك.
وتحت كل هذا الضجيج، بقي ثابتًا على قيمه، يبحث عن معنى، عن صديق حقيقي، وعن لحظة صادقة تلامس مثل نور القمر حجرًا من زمرد… فيضيئه.